البغدادي

385

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقوله : « لا أرى من عهدت الخ » ، دلها أي : باطلا ، وهو مفعول مطلق ، وقيل : هو من قولهم دلّهني أي : حيّرني ، فهو تمييز . يقول : لا أرى في هذه المواضع من عهدت ، وهي أسماء ، فأنا أبكي اليوم بكاء باطلا ، أو ذاهب العقل . و « ما » استفهاميّة للإنكار ، أي : لا يردّ البكاء شيئا على صاحبه . يعني : لمّا خلت هذه المواضع منها بكيت جزعا لفراقها ، مع علمي أنّه لا فائدة في البكاء . وروي أيضا : لا أرى من عهدت فيها فأبكي * أهل ودّي وما يردّ البكاء أي : فأنا أبكي أهل مودّتي ، شوقا إليهم ، حين نظرت إلى منازلهم الخالية ، وروي أيضا : « وما يحير البكاء » من أحاره بالمهملة ، أي : رجعه . وقوله : « وبعينيك أو قدت الخ » ، أي : وترى بعينيك أو بمرأى عينيك ؛ يقال : هو منّي بمرأى ومسمع ، أي : حيث أراه وأسمعه . والمعنى : أوقدت النار تراها لقربها منك . وهند ممّن كانت تواصله بتلك المنازل . و « أصيلا » : ظرف بمعنى العشيّ ؛ وروي بدله « أخيرا » أي : في آخر عهدك بها . يقول : قد رأيت نارها بتلك المنازل ، ثم رأيتها قد نزلت بالعلياء ، فرأيت نارها من بعيد . و « العلياء » ، بالفتح : ما ارتفع من الأرض ؛ وإنّما يريد العالية وهي أرض الحجاز وما والاها من بلاد قيس . ويقال : قد ألوت الأرض بالنار تلوي بها إلواء ، أي : رفعتها ؛ وكذلك الناقة : ألوت : إذا رفعت ذنبها فلوّحت به . وقوله : « أوقدتها بين العقيق الخ » ، العقيق وشخصان ، قال الأخفش : شخصان : أكمة لها قرنان ناتئان ، وهما الشعبتان . والعود هو عود البخور . وأراد بالضياء ضياء الفجر « 1 » ؛ وقيل ضياء السّراج . وقوله : « فتنوّرت نارها الخ » ، يقال : تنوّرت النار : إذا نظرتها بالليل لتعلم : أقريبة هي أم بعيدة ؟ أكثيرة أم قليلة ؟ وخزاز ، بفتح الخاء المعجمة والزاءين المعجمتين : موضع . وقوله : « هيهات الخ » ، يقول : رأيت نارها فطمعت أن تكون قريبة ، وتأمّلتها

--> ( 1 ) في طبعة بولاق : " الفيء " . ولا يكون للفيء ضياء ، وإنما الفيء ظل ، يضيء من جانب المغرب إلى جانب المشرق بعد الزوال ، فأنى له الضياء . وصواب هذا التصحيف من شرح القصائد العشر للتبريزي ص 373 .